محمد جمال الدين القاسمي
392
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
يديه أنواع المخاوف والمتالف والمعاطب والمشاق ، وهو يستلذ ذلك كله ويستطيبه ! ذكر هذه الشذرة ( الإمام ابن القيم في أوائل زاد المعاد ) . وَأَمْناً موضع أمن . كقوله حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [ العنكبوت : 67 ] ، وكقوله وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً [ آل عمران : 97 ] ، وقد كانوا في الجاهلية يتخطف الناس من حولهم وهم آمنون لا يسبون . وكان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه فلا يعرض له . وفي هذا بيان شرف البيت من كونه محلا تشتاق إليه الأرواح ولا تقضي منه وطرا ، ولو ترددت إليه كل عام ، استجابة من اللّه تعالى لدعاء خليله في قوله فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ [ إبراهيم : 37 ] ، إلى أن قال رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ [ إبراهيم : 40 ] ، ومن كونه مأمنا لمن دخله . كما بيّنّا . و في الصحيحين عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال يوم فتح مكة : « إن هذا بلد حرّمه اللّه يوم خلق السماوات والأرض . وهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة . وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي . ولم يحل لي إلا ساعة من نهار » « 1 » الحديث . وقوله تعالى : وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى قرئ بكسر الخاء ، أمرا معترضا بين الجملتين الخبريتين . أو بتقدير : وقلنا اتخذوا . وقرئ بفتح الخاء ماضيا معطوفا على جعلنا . أي واتخذوه مصلى ، ومقام إبراهيم هو الحرم كله . عن مجاهد . وعنه : هو جمع ومزدلفة ومنى ومكة . ويقال : هو مقامه الذي هو في المسجد الحرام . فقد قال قتادة : إنما أمروا أن يصلّوا عنده ولم يؤمروا بمسحه . ولقد تكلفت الأمم شيئا مما تكلفته الأمم قبلها . قال الراغب الأصفهانيّ : والأولى أنه الحرم كله . فما من موضع ذكروه إلا هو مصلى أو مدعى أو موضع صلاة . أقول : كأن الأصل في الآية : وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا ومصلى . إلا أنه
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : جزاء الصيد ، 10 - باب لا يحل القتال بمكة ونصه : عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : قال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، يوم افتتح مكة « لا هجرة . ولكن جهاد ونية . وإذا استنفرتم فانفروا . فإن هذا بلد حرمه اللّه يوم خلق السماوات والأرض ، وهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة . وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي . ولم يحل لي إلا ساعة من نهار . فهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة . لا يعضد شوكه ، ولا ينفّر صيده ، ولا يلتقط لقطته إلا من عرّفها ولا يختلي خلاها » . قال العباس : يا رسول اللّه ، إلا الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم . قال « إلا الإذخر » .